السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )
186
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين
على أنّ أبا محذورة إنّما كان من الطلقاء والمؤلّفة قلوبهم في الإسلام بعد فتح مكّة ، وبعد أن قفل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم من حنين منتصرا على هوازن ، ولم يكن شيء أكره إلى أبي محذورة يومئذ من رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ولا ممّا يأمر به ، وكان يسخر بمؤذّن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، فيحكيه رافعا صوته استهزاء . لكن صرّة الفضّة التي اختصّه بها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وغنائم حنين التي أسبغها على الطلقاء من أعدائه ومحاربيه ، وأخلاقه العظيمة التي وسعت كلّ من اعتصم بالشهادتين من أولئك المنافقين ، مع شدّة وطأته على من لم يعتصم بها ، ودخول العرب في دين اللّه أفواجا ؛ كلّ ذلك ألجأ أبا محذورة وأمثاله إلى الدخول فيما دخل فيه الناس ، ولم يهاجر حتّى مات في مكّة ( 1 ) واللّه يعلم بواطنه . على أنّ لرسول اللّه كلمة قالها لثلاثة : أبي محذورة ، وأبي هريرة ، وسمرة بن جندب ، حيث أنذرهم بقوله : « آخركم موتا في النار » ( 2 ) . وهذا أسلوب حكيم من أساليبه صلى الله عليه وآله وسلم في إقصاء المنافقين عن التصرّف في شؤون الإسلام والمسلمين ، فإنّه صلى الله عليه وآله وسلم لمّا كان عالما بسوء بواطن هؤلاء الثلاثة ، أراد أن يشرب في قلوب امّته الريب فيهم والنفرة منهم ، إشفاقا عليها أن تركن إلى واحد منهم في شيء ممّا يناط بعدول المؤمنين وثقاتهم ، فنصّ ب - « النار » على واحد منهم ، وهو آخرهم موتا ، لكنّه صلى الله عليه وآله وسلم أجمل القول فيه على وجه جعله دائرا بين الثلاثة على السواء ، ثمّ لم يتبع هذا الإجمال بشيء من البيان .
--> ( 1 ) - . الإصابة 302 : 7 - 303 ، الرقم 10508 . وراجع أيضا الاستيعاب 1752 : 4 ، الرقم 3162 . ( 2 ) - . الاستيعاب 654 : 2 ، الرقم 1063 ؛ الإصابة 150 : 3 ، الرقم 3488 . وراجع أيضا : المعارف لابن قتيبة : 305 ؛ المعجم الكبير 177 : 7 ، ح 6748 ؛ تهذيب الكمال 137 : 8 - 138 ، الرقم 102568 .